لسان الدين ابن الخطيب

69

خطرة الطيف ( رحلات في المغرب والأندلس )

الريب فلا يشي . برّ فأكثر ، ومهّد ووثّر ، وأدفأ ودثّر ، ورقّى بسور استنزاله فأثّر . فلمّا أزحت الكلفة وأقضمت جوادي العلفة ، وأعجبتني من رفقاء الرفق الألفة ، رمقت في بعض السقائف آمنا في زيّ خائف ، وشيخا طاف منه بالأرض طائف ، وسكن حتى اليمامة والطائف ، جنيب عكّاز ومثير شيب أثيث الوفرة ، وقسي ضلوع تؤثّر بالزفرة ، حكم له بياض الشيبة بالهيبة ، وقد دار بذراعه للسبحة الرقطاء حنش ، كما اختلط روم وحبش ، وإلى يمينه دلو فاهق ، وعن يساره تلميذ مراهق ، وأمامه حمار ناهق ، وهو يقول : هم أسكنونا في ظلال بيوتهم * ظلال بيوت أدفأت وأكنّت أبوا أن يملّونا ولو أن أمّنا * تلاقي الذي يلقون منا لملّت حتى إذا اطمأن حلوله ، وأصحب ذلوله ، وتردّد إلى قيّم الخان زغلوله ، واستكبر لما جاءه بما يهواه رسوله ، استجمع قوّته واحتشد ، ورفع عقيرته وأنشد : أشكو إلى الله ذهاب الشباب * كم حسرة أورثني واكتئاب سدّ عن اللذات باب الصبا * فزارت الأشجان من كل باب وغربة طالت فما تنتهي * موصولة اليوم بيوم الحساب وشرّ نفس كلّما هملجت * في الغي لم تقبل خطام المتاب يا رب شفّع في شيبي ولا * تحرمني الزّلفى وحسن المآب ثم أنّ ، والليل قد جنّ ، فلم يبق في القوم إلا من أشفق وحنّ ، وقال وقد هزّته أريحيّة ، على الدنيا سلام وتحيّة ، فلقد نلنا الأوطار وركبنا الأخطار ، وأبعدنا المطار وافترقنا الأقطار ، وحلبنا الأشطار . فقال فتاه ، وقد افترّت عن الدرّ شفتاه ، مستثيرا لشجونه ، ومطلعا لنجوم همّه من دجونه ، ومدلا عليه بمجونه . وماذا بلغ الشيخ من أمدها أو رفع من عمدها حتى يقضى منه عجب ، أو يجلى منه محتجب ؟ فأخذته حميّة الحفاظ لهذه الألفاظ ، وقال أي بنيّ ، مثلي من الأقطاب ، يخاطب بهذا الخطاب ! ! وأيم الله لقد عقدت الحلق ، ولبست من الدهر الجديد والخلق ، وفككت الغلق ، وأبعدت في الصبوة الطلق ، وخضت المنون ، وصدت الضبّ والنون ، وحذقت